حبيب الله الهاشمي الخوئي

340

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وفي النبويّ قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم إنّ اللَّه جلّ جلاله أوحى إلى الدّنيا أن اتعبي من خدمك واخدمي من رفضك . وفي رواية أخرى الزّاهد في الدّنيا يريح قلبه وبدنه ، والرّاغب فيها يتعب قلبه وبدنه . التاسع والعاشر ما أشار إليه بقوله ( ومن أبصر بها بصّرته ومن أبصر إليها أعمته ) يعنى من جعلها آلة لابصاره ومرآتا للوصول إلى الغير يجعلها الدّنيا صاحب بصيرة ومن كان نظره وتوجّهه إليها وهمّته معطوفا عليها يجعلها الدّنيا أعمى . توضيح ذلك أنّ النظر إلى الدّنيا يتصوّر على وجهين . أحدهما أن يكون المطلوب بالذّات من ذلك النّظر هو الدّنيا نفسها ولا شكّ أنّ الدنيا حينئذ تكون شاغلة له عن ذكر اللَّه صارفة عن سلوك سبيل الحقّ ، فيكون ضالَّا عن الصّراط المستقيم ناكبا عن قصد الهدى ، وهو المراد بكونه أعمى يعنى أنّ الدّنيا حينئذ تكون موجبة لعماء عين قلبه عن إدراك المطالب الحقّة وعن الاهتداء إلى سلوك سبيل الآخرة ولذلك خاطب اللَّه سبحانه النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله ظاهرا وأراد امّته باطنا بقوله : * ( وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِه ِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيه ِ ) * . والثاني أن يكون الغرض بالنظر إلى الدّنيا هو التبصّر بها والاهتداء إلى المبدأ والمعاد إذ ما من شيء فيها إلَّا وهو من آثار الصنع وأدلَّة القدرة وعلامة العزّة والسّلطنة . ففي كلّ شيء له آية تدلّ على أنّه واحد و * ( سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ) * فبالنّظر إلى الأنفس والآفاق يحصل البصيرة والكمال ، ويتمكن من المعرفة والوصول إلى حضرت ذي الجلال كما يهتدى إلى الآخرة ويرغب عن الدّنيا بالنّظر إلى الأمم الماضية والقرون الفانية والملوك